رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني

445

الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )

وزين السماوات والأرض ، وجمال السماوات والأرض ، وعماد السماوات والأرض . وإلى هؤلاء الأجلّاء صدر الخطاب في قوله تعالى : « أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ » « 1 » ، ولهذا غيّر الأسلوب عن الغيبة إلى الخطاب ، فهو سبحانه شهيد على التجلّي فيه والظهور ، وليس في قوّة العالم أن يدفع عن نفسه هذا الظاهر فيه ، ولا أن يكون مظهراً ؛ إذ هذا هو معنى الإمكان على التحقيق التامّ ، فلو دفع لكان مسلوباً عن نفسه ولو لم يكن حقيقة العالم الإمكانَ لما قبل نورَ الحقّ وظهورَ آثاره . وفي النسخ « لِما تجلّي » باللام الجارّة و « ما » المصدريّة ، فيكون متعلّقاً بقوله : « دلّت » و « أعربت » والمعنى : أفصحت عن اللَّه لأجل تجلّي صانعها للعقول بواسطة هذه الأشياء ؛ إذ هي مرايا ظهوره ، وبها احتجب عن الرؤية ، كما أنّ اللَّه جلّ جلاله ظهر بالأشياء وفي الأشياء ، كذلك اختفى بها عنها ، وليس ذلك إلّااعتباراً بالأشياء ، ولذا قيل : بطن ما ظهر . وعن أمير المؤمنين عليه السلام : « لا يجنّه البطون عن الظهور » . « 2 » وعن بعض العرفاء : العجب كلُّ العجب أنّه تعالى ما ظهر بشيء من مظاهر أفعاله إلّاوقد احتجب به ، فسبحانه من احتجب بنور ظهوره ، وظهر بإسداله ستره . انتهى . وقيل في الشعر : « بدت باحتجاب واختفت بمظاهر » . وقيل أيضاً : لقد ظهرت فلا تخفى على أحد * إلّا على أكمهَ لا يعرف القمرا لكن بطنت بما أظهرت محتجباً * وكيف يعرف مَن بالعرف استترا هذا الذي قلنا إنّما هو على تقدير أن يكون الضمير في « بها » راجعاً إلى « الأشياء » ويُحتمل أن يكون راجعاً إلى « العقول » والمعنى : أنّ اللَّه تعالى احتجب عن الرؤية بسبب العقول ؛ إذ ما دام الإنسان يعقل نفسه ويثبت وجوداً وشيئيّة لذاته ، فهو بعيد عن رؤية اللَّه تعالى ، بل عن رؤية ذكر اللَّه ، كما قال عزّ شأنه : « وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ » « 3 » . « وإليه تحاكم الأوهام » أي إنّ تحاكم الأوهام وتنازعها إنّما ينتهي إلى الأشياء ، ولا يصل إلى اللَّه سبحانه ؛ إذ الأوهام إنّما تحكم على ما يتصوّره من الأشياء المعروفة عندها ، واللَّه

--> ( 1 ) . فصّلت ( 41 ) : 53 . ( 2 ) . نهج البلاغة ، ص 309 ، الخطبة 195 . ( 3 ) . الكهف ( 18 ) : 24 .